عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
215
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
العالم الإلهي كوجود الجنة والنار اليوم في علمه سبحانه وتعالى ، فهذا هو عين فناء العالم الدنياوي ، وعين القيامة الكبرى وهي الساعة ، ولسنا بصدد ذكرها ، بل غرضنا أن نشرح الساعة الخاصة بكل فرد من أفراد هذا العالم ، ونتحدث عن ذلك في الإنسان ؛ لأنه أكمل أفراد الوجود فلنقس الباقين عليه ، ونحيل فهم علم الساعة العامة على فهمك من كتاب اللّه تعالى ، حشية على إيمانك أن يسلبه شيطان الشك إن ذكرنا لك عجائب الساعة الكبرى ، فلنقتصر من ذلك على ذكر الساعة الصغرى التي هي قبل الساعة الكبرى ، ثم لا تظن بأنهما ساعتان ، بل هي ساعة واحدة ، فمثل هذا مثل الكلي الواقع على كل واحد من جزئياته مثلا كما تقول : مطلق الحيوان واقع على كل أنواع الخيل والأنعام والإنسان وغير ذلك ، ثم إن نفس لفظ الحيوان واقع على كل فرد من أفراد كل نوع ، ولا تتعدد الحيوانية في نفسها لأنها كلية تامة ، والكلية تقع على جزئياتها من غير تعدد ، فكذلك الساعة الكبرى واقعة على كل من الساعة الصغرى من غير تعدد ؛ فأوّل ما نذكر علامة الساعة وأشراطها ثم نذكرها . اعلم أن للساعة الصغرى علامات وأشراطا مناسبة لعلامات الساعة الكبرى وأشراطها ، فكما أن من أمارات الساعة الكبرى أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ، فكذلك الإنسان من علامة قيام ساعته الخاصة به ظهور ربوبيته سبحانه وتعالى في ذاته ، فذات الإنسان هي الأمة ، والولادة هي ظهور الأمر الخفيّ من باطنه إلى ظاهره ، لأن الولد محله البطن ، والولادة بروز إلى ظاهر الحسّ ، فكذلك الحق سبحانه وتعالى موجود في الإنسان بغير حلول ، وهذا الوجود باطن ، فإذا ظهر بأحكامه وتحقق العبد بحقيقة ( كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ) « 1 » ظهر الحق تعالى في وجود هذا الإنسان ، فتمكن من التصرف في عالم الأكوان ، فذاته بمثابة الأمة ، وآثار ربوبية الحق بمثابة الربة ، وظهورها بمثابة الولادة ، ثم تجرّد العارف عن الأسماء بمثابة التحفي عن النعل ، لأن الأسماء مراكب العارفين ، وتجرّده عن الصفات بمثابة حال العراة ، وكونه دائم الملاحظة للأنوار الأزلية بمثابة رعاء الشاء ، وكون المجذوب يأخذ في الترقي من المعارف الإلهية هو بمثابة تطاول البنيان ، فكما أن ظاهر هذا الحديث من أمارات الساعة الكبرى العامة في الوجود ، كذلك باطنه الذي تكلمنا
--> ( 1 ) سبق تخريجه .